صديق الحسيني القنوجي البخاري
506
فتح البيان في مقاصد القرآن
وأخرج الترمذي « 1 » وصححه عن ابن مسعود قال : نام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على حصير فقام وقد أثر في جنبه ، فقلنا يا رسول اللّه لو اتخذنا لك ، فقال : « ما لي وللدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها » . وأخرج مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن المستورد قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما الدنيا في الآخرة إلا كمثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه في اليم فلينظر بم يرجع » وأشار بالسبابة « 2 » . وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي المشركون من أهل مكة لَوْ لا هلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ أي على محمد آيَةٌ أي معجزة ، مثل معجزة موسى وعيسى عليهما السلام مِنْ رَبِّهِ كالعصا واليد والناقة ، وقد تقدم تفسير هذا قريبا وتكرر في مواضع . قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ أمره اللّه سبحانه أن يجيب عليهم بهذا وهو أن الضلال بمشيئة اللّه سبحانه من شاء أن يضله كما ضل هؤلاء القائلون لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ولا ينفعه نزول الآيات وكثرة المعجزات إن لم يهده اللّه عز وجل وإن أنزلت كل آية فإن ذلك في أقصى مراتب المكابرة والعناد وشدة الشكيمة والغلو في الفساد فلا سبيل له إلى الاهتداء . وَيَهْدِي إِلَيْهِ أي إلى الحق أو إلى الإسلام أو إلى جنابه عز وجل مَنْ أَنابَ أي رجع إلى اللّه بالتوبة والإقلاع عما كان عليه ، وأصل الإنابة الدخول في نوبة الخير . كذا قال النيسابوري . الَّذِينَ آمَنُوا منصوب على البدل من أناب ، والمعنى أنهم هم الذين هداهم اللّه وأنابوا إليه : أو خبر مبتدأ محذوف ، أي هم الذين آمنوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أي تسكن عن القلق والاضطراب وتستأنس بذكره سبحانه بألسنتهم كتلاوة القرآن والتسبيح والتحميد والتكبير والتوحيد أو بسماع ذلك من غيرهم عبر بالمضارع لأن الطمأنينة تتجدد بعد الإيمان حينا بعد حين ، قاله الشهاب . وقال الكرخي المضارع قد لا يلاحظ فيه زمان معين من حال أو استقبال فيدل إذ ذاك على الاستمرار ومنه الآية اه . قال في الجمل : وهذا ينفع في مواضع كثيرة وقد سمى اللّه سبحانه القرآن ذكرا قال : وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ [ الأنبياء : 50 ] وقال : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ [ الحجر : 9 ] . قال الزجاج : أي إذا ذكر اللّه وحده آمنوا به غير شاكين بخلاف من وصف بقوله : وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ [ الزمر : 45 ] .
--> ( 1 ) كتاب الزهد باب 44 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الجنة حديث 55 ، والترمذي في الزهد باب 15 ، وابن ماجة في الزهد باب 3 ، وأحمد في المسند 4 / 229 ، 230 .